أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

331

العقد الفريد

فلقد رفعت لجعفر * ذكرين قلّا في جزائه فارفع ليحيى مثله * ما العود إلا من لحائه واخضب بصدر مهنّد * عثنون يحيى من دمائه « 1 » ابن المهدي وجعفر وعبد الملك : إبراهيم بن المهدي قال : قال لي جعفر بن يحيى يوما : إنني استأذنت أمير المؤمنين في الحجامة ، وأردت أن أخلو بنفسي وأفرّ من أشغال الناس وأتوحّد ، فهل أنت مساعدي ؟ قلت : جعلني اللّه فداك ، أنا أسعد بمساعدتك وآنس بمخالاتك . فقال : بكّر إليّ بكور الغراب . قال : فأتيت عند الفجر الثاني فوجدت الشمعة بين يديه وهو قاعد ينتظرني للميعاد . قال : فصلينا ثم أفضنا في الحديث ، حتى أتى وقت الحجامة ، فأتى الحجّام ، فحجمنا في ساعة واحدة ، ثم قدّم إلينا الطعام فطعمنا فلما غسلنا أيدينا خلع علينا ثياب المنادمة وضمخنا بالخلوق « 2 » ، وظللنا بأسرّ يوم مرّ بنا ؛ ثم إنه تذكر حاجة ، فدعا الحاجب فقال له : إذا جاء عبد الملك القهرمان « 3 » فأذن له . فنسي الحاجب وجاء عبد الملك بن صالح الهاشمي على جلالته وسنّه وقدره وأدبه ، فأذن له الحاجب ، فما راعنا إلا طلعة عبد الملك بن صالح ، فتغيّر لذلك وجه جعفر بن يحيى ، وتنغّص عليه ما كان فيه ؛ فلما نظر إليه عبد الملك على تلك الحالة ، دعا غلامه ، فدفع إليه سيفه وسواده وعمامته ، ثم جاء فوقف على باب المجلس ، فقال : اصنعوا بنا ما صنعتم بأنفسكم ! قال : فجاء الغلام فطرح عليه ثياب المنادمة ؛ ودعا بطعام فطعم ؛ ثم دعا بالشراب فشرب ثلاثا ، ثم قال : ليخفّف عني ، فإنه شيء ما شربته قط ! فتهلل وجه جعفر فرحا ، وقد كان الرشيد حاور عبد الملك على المنادمة فأبى ذلك وتنزّه عنه ؛ ثم قال له جعفر بن يحيى : جعلني اللّه فداك ؛ قد تفضلت وتطوّلت « 4 » ، فهل من

--> ( 1 ) العثنون : ما نبت على الذقن وتحته سفلا . ( 2 ) الخلوق : الخلاق : ضرب من الطيب . ( 3 ) القهرمان : امين الملك ووكيله الخاص . ( 4 ) تطولت : تفضلت .